وتقدم أستراليا وولاية نيويورك نموذجين مختلفين للتعامل مع هذه المشكلة. أستراليا ركزت على تقييد وصول من هم دون السادسة عشرة إلى منصات اجتماعية محددة، بينما اتجهت نيويورك إلى تنظيم بعض الخصائص التي قد تزيد استخدام القاصرين للمنصات.
والدرس المشترك بين التجربتين واضح: حماية الأطفال على الإنترنت لا تتحقق بالحظر وحده.
أستراليا: الحد العمري لا يكفي
دخل الحظر الأسترالي لمن هم دون السادسة عشرة حيز التنفيذ في 10 ديسمبر 2025.
وبعد ثلاثة أشهر، أظهرت نتائج نشرتها الجهة التنظيمية الأسترالية ونقلتها Reuters أن نسبة الأطفال الذين يستخدمون منصة واحدة على الأقل من المنصات المقيدة انخفضت من نحو 86% إلى أكثر من 81%.
الانخفاض موجود، لكنه محدود، ويكشف مشكلة أساسية: وجود حد عمري في القانون لا يعني بالضرورة القدرة على تطبيقه تقنيًا.
الدرس الأول: ضمان العمر هو نقطة الضعف
هناك فرق بين أن تسأل المنصة المستخدم: «كم عمرك؟» وبين أن تمتلك مستوى معقولًا من الثقة بأن الإجابة صحيحة.
إذا كان الطفل يستطيع تغيير سنة الميلاد أو إنشاء حساب جديد بسهولة، يصبح الحد العمري إجراءً شكليًا.
وأظهرت الدراسة الأسترالية أن نحو نصف الأطفال الذين احتفظوا بحساباتهم أفادوا بأن المنصات لم تتحقق من أعمارهم.
لذلك لا يكفي طلب تاريخ الميلاد. يجب أن يكون لدى المنصة نظام مناسب لضمان العمر Age Assurance، مع اختبار دقته وقدرته على مقاومة التحايل.
لكن ذلك لا يعني بالضرورة مطالبة كل مستخدم برفع هويته.
الدرس الثاني: القانون يحتاج إلى إنفاذ تقني
فاعلية التشريع تعتمد على تفاصيل عملية، مثل:
- ماذا يحدث إذا غير المستخدم تاريخ ميلاده؟
- كم مرة يمكنه إعادة محاولة اختبار العمر؟
- هل يستطيع إنشاء حساب جديد بسهولة؟
- كيف تكتشف المنصة محاولات التحايل؟
- ماذا يحدث عندما يخطئ نظام تقدير العمر؟
في مارس 2026، كانت الجهة التنظيمية الأسترالية تحقق في امتثال عدد من المنصات، وأشارت إلى مشكلات من بينها السماح بمحاولات متكررة لبعض اختبارات ضمان العمر.
وهنا يظهر درس مهم للشركات: وجود سياسة أو حد عمري لا يكفي. يجب أن تستطيع الشركة إثبات أن الضوابط تعمل فعلًا ويمكن اختبارها ومراجعتها.
الدرس الثالث: الخطر قد ينتقل بدل أن يختفي
أظهرت التجربة الأسترالية أيضًا أن تقييد بعض المنصات لا يعني اختفاء الاستخدام الرقمي.
فقد ارتفع استخدام بعض تطبيقات المراسلة والألعاب، كما انخفضت معرفة بعض الوالدين باستخدام أطفالهم لوسائل التواصل.
إذا انتقل الطفل إلى منصة أخرى أو بدأ بإخفاء استخدامه، فقد ينتقل الخطر بدل أن يختفي.
لذلك لا ينبغي قياس نجاح حماية الأطفال على الإنترنت فقط بعدد الحسابات المغلقة، بل أيضًا بانخفاض التعرض للمحتوى الضار، والاستخدام القهري، والتواصل غير المرغوب فيه، ومعدلات التحايل.
نيويورك: تنظيم تصميم المنصة
تطرح نيويورك سؤالًا مختلفًا.
بدل التركيز فقط على: «هل يسمح للقاصر بالدخول؟» تركز أيضًا على: «ما الخصائص التي ينبغي أن تكون متاحة له بعد الدخول؟»
في يوليو 2026، نشر مكتب المدعي العام في نيويورك القواعد النهائية لتنفيذ قانون SAFE for Kids Act.
ويركز القانون على تقييد بعض الخصائص للقاصرين، من بينها:
- الخلاصات المخصصة خوارزميًا.
- الإشعارات الليلية.
وتمنع القواعد إرسال الإشعارات للقاصرين بين منتصف الليل والساعة السادسة صباحًا دون الموافقة المطلوبة من الوالدين.
الفكرة هنا ليست منع التقنية بالكامل، بل تغيير طريقة تصميم تجربة المستخدم عندما يكون المستخدم قاصرًا.
وهذا يمثل تحولًا مهمًا من تنظيم المستخدم إلى تنظيم خصائص المنتج.
ضمان العمر والخصوصية
كلا النموذجين يعتمد في النهاية على معرفة ما إذا كان المستخدم قاصرًا.
لكن ضمان العمر لا يجب أن يتحول إلى جمع غير ضروري للبيانات.
فقد تحتاج المنصة فقط إلى معرفة أن المستخدم تجاوز حدًا عمريًا معينًا، دون الحاجة إلى الاحتفاظ باسمه الكامل أو نسخة من هويته أو تاريخ ميلاده بالتفصيل.
لذلك يجب أن يعتمد ضمان العمر على مبادئ مثل:
- جمع أقل قدر ممكن من البيانات.
- استخدام البيانات فقط لغرض التحقق من العمر.
- حذفها أو إلغاء هويتها بعد انتهاء الحاجة إليها.
- عدم استخدامها في الإعلانات أو بناء الملفات السلوكية.
- توفير طريقة للاعتراض إذا أخطأ النظام في تحديد العمر.
وتسمح قواعد نيويورك بعدة وسائل لضمان العمر، مع اشتراط توفير خيار واحد على الأقل لا يعتمد على هوية حكومية.
ماذا يعني ذلك للمنصات السعودية؟
لا يعني ذلك أن على المملكة نسخ النموذج الأسترالي أو الأمريكي حرفيًا، لكن يمكن الاستفادة من المبادئ الأساسية عند تصميم الخدمات الرقمية.
إذا كان من المحتمل أن يستخدم الأطفال الخدمة، فيجب على الشركة أن تسأل: هل نحتاج فعلًا إلى معرفة العمر؟ وما مستوى الثقة المطلوب؟ وما أقل كمية من البيانات اللازمة؟
بعد ذلك يجب أن تتغير تجربة المستخدم بحسب مستوى المخاطر.
وقد يشمل ذلك إعدادات خصوصية أكثر حماية بصورة افتراضية، وتقليل التواصل مع الغرباء، والحد من جمع الموقع، وتقليل التخصيص السلوكي، وتوفير أدوات واضحة للإبلاغ والحظر، ومراجعة الإشعارات والخلاصات الخوارزمية.
ويمكن الاطلاع أيضًا على مقال
حماية الأطفال من الذكاء الاصطناعي التوليدي
لمعرفة المزيد عن الضوابط الوقائية المرتبطة باستخدام الأطفال لأدوات الذكاء الاصطناعي.
الخاتمة
تكشف تجربتا أستراليا ونيويورك أن حماية الأطفال على الإنترنت لا يمكن اختزالها في الحظر.
أستراليا أظهرت صعوبة تطبيق حد عمري واسع عندما تكون أنظمة ضمان العمر قابلة للتحايل. ونيويورك تقدم اتجاهًا مختلفًا يركز على طريقة تصميم المنصة والخصائص التي قد تزيد استخدام القاصرين.
بالنسبة للشركات، الدرس الأهم هو أن حماية الأطفال يجب أن تكون جزءًا من تصميم المنتج وحوكمة البيانات وإدارة المخاطر، وليس مجرد فقرة داخل سياسة الخصوصية.
النموذج الأكثر توازنًا هو الذي يجمع بين ضمان عمر متناسب، وتقليل البيانات، وخصوصية حسب التصميم، وضوابط أقوى كلما ارتفعت مخاطر الخدمة.
اقرأ أيضًا
حماية الأطفال من الذكاء الاصطناعي التوليدي: 9 ضوابط وقائية
حماية الأطفال في العالم الرقمي: القيادة السعودية تتصدر العالم
المصادر
Reuters — نتائج الدراسة الأسترالية بعد ثلاثة أشهر من تطبيق حظر وسائل التواصل لمن هم دون 16 عامًا، 31 يوليو 2026
Australian eSafety Commissioner — نتائج مبكرة حول تطبيق القيود العمرية على وسائل التواصل الاجتماعي
Office of the New York Attorney General — القواعد النهائية لقانون SAFE for Kids، 28 يوليو 2026
المؤلف: عبدالرحمن علي محنشي
تاريخ المراجعة: أغسطس 2026
